ساسي سالم الحاج

143

نقد الخطاب الاستشراقي

الإيمان الضعيف ، وممن يخاف عليهم الفتنة . وممن هنا كان اعتبار هذه الهجرة بأخرة ليست مجدا وسبقا في الإسلام . ولكن يبدو على بعض المهاجرين أنهم من ذوي الإيمان الصادق والعزيمة القوية . وربما كان سبب الهجرة هو محاولة الرسول إبعاد من كانوا يريدون زرع الفتنة والشقاق بين الجماعة الإسلامية وذلك طبقا لتحليلات مونتجمري وات ، خاصة أن زعيم المهاجرين إلى الحبشة هو عثمان بن مظعون من قبيلة جمح الذي سلك طريق الزهد قبل ظهور الإسلام ، وقد امتنع عن شرب الخمر قبل تحريمها وحاول اعتزال النساء حتى اشتكت زوجته إلى عائشة . وعندما اعتنق الإسلام كان صحبة ابنه وأخويه وثلاثة من أبناء عمّه وقد هاجروا جميعا إلى الحبشة . وربما كان هذا الشخص يتمتع باستقلالية في الرأي ، ويحمل ذات الأفكار التي ينادي بها محمد خاصة أنه قد اجتمع حوله جمع من الحنفاء الذين انضموا جميعا إلى محمد ، وربما كانت هذه المجموعة بما لها من أفكار مشابهة لرأي الرسول كانت تخالفه في بعض الآراء ولا تخضع لبعض توجيهاته وإرشاداته ، وربما قادت هذه المعارضة الصغيرة الاتجاه المضاد لأبي بكر وعمر ، خاصة أن عمر كان يلوم عثمان لأنه مات على فراشه وكان يعتبر الهجرة إلى الحبشة نوعا من الهروب « 1 » . ثم يستطرد « رودنسون » في رواية الهجرة إلى الحبشة طبقا لما أورده أسلافه من المستشرقين ، ويشك هو الآخر في وجود هجرتين للحبشة . ولا ينكر أو يقرّ بواقعة إرسال قريش وفدا من بينها إلى النجاشي لاسترداد المهاجرين لأنه يرى أن المؤرخين تناولوا هذه القضية بكثير من التناقض والاختلاف . ويرى « رودنسون » أن قائمة المهاجرين إلى الحبشة قد زيد فيها كثيرا مؤخرا . فربما كانت الدفعة الأولى لم تزد على خمسة عشر شخصا ، لأن الجماعة الإسلامية الصغيرة الباقية في مكة لا تزيد على الأربعين رجلا والعشرين امرأة . وقد احتملت بصبر وعزيمة الاضطهاد والأذى اللاحق بها حتى حققت أخيرا نجاحا باهرا وذلك عندما انضم إليها حمزة أولا وعمر بن الخطاب ثانيا « 2 » . يعالج أصحابنا الثلاثة السيرة النبوية بعد وفاة خديجة وأبي طالب بشيء من السرد التاريخي الخالي من التحليلات والشكوك التي دأبوا عليها . وأكّدوا ضروب المعاملة

--> ( 1 ) RODINSON , op . cit , p . 144 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 145 .